كان يا ما كان في قديم الزمان .... أمير ٌ متعجرفٌ مغرور , يعيش في قصره الإمبراطوري كان يظن نفسه أنه فوق البشرية كلها , كيف لا و هو بحسب زعمه أنه صاحب القصر الكبير و المال الوفير و المملكة و ..... وذات يوم أتى إليه حاجبه وانحنى أمامه و كالعادة قبّل يديه و قال له تعال يا أميري و لنفتح أبواب القصر الأربع الواحد تلو الآخر و لنرى سويةً كيف هي الحياة خارج جدران قصرك . صرخ الأمير لا حياة خارج قصري هنا الحياة هنا ...هنا.. عفوك يا أميري رد الحاجب بصوت خجول و لكني قصدت أن أقول .... أن ترى رعيتك فهم يحبونك و يتشوقون لرؤيتك , إنهم يحلمون برؤية بهاء طلتك عليهم . رد الأمير و الغرور يملأ نفسه إذن اختر أحد الأبواب و لنبدأ جولتنا أجابه الحاجب و ليكن الباب الغربي همّ الأمير و اتجه نحو الباب و الحراس تسير خلفه و الحاجب جنبه , اقربوا من الباب و فتحه الحراس و إذ بأناس يحملون نعشاً و ينوحون و يبكون . اقترب الأمير من الحاجب و سأله باستغراب ما بهم رعيتي ينوحون ويبكون ؟ أجابه الحاجب إنها جنازة يا أميري , جنازة رجلٍ فقيرٍ مات من حوالي الساعتين . ردّ الأمير و الدهشة تغمر عينيه وما معنى أنه مات منذ ساعتين ؟ أجابه الحاجب : في الموت يفقد الإنسان حواسه و تنفصل الروح عن الجسد ويفقد الإنسان تواصله مع الناس , الروح تعود إلى الله الخالق و الجسد يوارى في الثرى . و الناس متساوون في الموت فكلهم يموتون و كلهم يوارون الثرى وعندما تأتي ساعة الموت لا يقدر أحداً أن يقف بوجهها . صرخ الأمير أواه أنا الأمير ....أموت مثلي مثل باقي البشر ...أواه مملكتي ...قصري ....أموالي ....كلها لن تكون لي .... لا لا أنا لن أموت أبداً . للأسف يا أميري لن ينفعك عندما تدق ساعة الموت لن ينجيك منه شيء .رد الحاجب عاد الأمير إلى قصره ( حزين , يائس ....) كان الحزن يملئ قلبه . وبعد يومين أطل الحاجب بابتسامة هادئة و اقترب من أميره و انحنى و قبل يديه و قال لا تحزن يا أميري هيا بنا لنخرج من الباب الجنوبي و لنرى ما يخفي خلفه . مد يده الأمير و خرج مرة أخرى هو و حاشيته و ما إن مشى قليلاً حتى رأى امرأة قد أتاها المخاض و بدأت حالة الولادة عندها و الناس تركض و تحاول حملها . اقترب الأمير و همس ما هذا ؟ أجابه الحاجب إنها امرأة تضع مولودها إنها في حالة ولادة . رد الأمير متعجباً و ما معنى هذا ؟؟ أجابه : هكذا يولد جميع الناس يا أميري ( الناس كلها تولد و تأتي إلى الحياة بنفس الطريقة لا فرق بين غني و فقير , يا أميري في الولادة كما الموت الناس كلهم متساوون يا أميري . ) صرخ الأمير أنا الأمير صاحب القصر الجميل ولدت مثلي مثل باقي البشر بنفس الطريقة يا للهول !! ... أنا مثلي باقي الناس ...أنا .... أنا... حزنٌ عميقٌ سيطر على أعماق نفسه جلس في قصره و عزل نفسه و تأمل مملكته و قصره و لم يكن يفكر إلا بشيء واحد ( أنا مثلي مثل باقي البشر ولدت مثلهم و سأموت مثلهم .... ) وبعد يومين أتاه صوت الحاجب تعال يا أميري و لنفتح الباب الجنوبي .... تقدم الأمير ببطء و حذر شديد و ما إن فتحوا الباب حتى رأوا يتألم و يصرخ نظر الأمير بتعجب و غمز للحاجب م هذا ؟ ما الذي أراه ؟ أجابه : شابٌ مريضٌ ( المرض يا أميري عندما يصيب إنسان لا يميز كهلاً كان أم شاباً , فقيراً أو غنياً ..... الكل معرضٌ للمرض ) صمتٌ و حزنٌ عميقٌ سيطر على الأمير وبقي يفكر أيام و ليالي في ماهية الموت و الحياة وظل شبح حقيقة الموت و الحياة يطارده .... أنا الأمير بجلالة قدري أمرض و أموت و .... مثلي مثل باقي البشر .....أنا مثلي مثل باقي البشر .... وفي آخر المطاف مدّ يده الحاجب و قال تعالى يا أميري لم يبق لدينا سوى الباب الشرقي هيا بنا لنرى ما يخفي خلفه . نزل الأمير عن على عرشه و مشى نحو الباب و توقف قليلاً و حينما فتح الباب خرج و هو ينظر إلى السماء و الشمس و كأنه يراها لأول مرة و إذ براهبٍ يمسك عصا بيده و يمشي , نظر إليه الأمير ثم ناداه هيه هيه .. أنت ...... من أنت ؟ التفت الراهب نحو الأمير و قال له : يا ابني أنا كنت مثلك غنياً أملك المال و الجاه و لكني خبرت الحياة و فهمتها ( المرض ....الموت ..... الولادة ...... ) وتصالحت مع نفسي فتركت كل شيء و مضيت . نظر الأمير إلى الراهب و تأمله لبضع لحظات ثم ناداه يا عم يا عم انتظر خذني معك فلا القصر و لا المال ولا شيء يعطيني حصانةً لا من الموت و لا من المرض و لا ..... وقف الراهب ينتظر الأمير بينما الأمير خلع تاجه و عباءته الملكية و أعطاها لحاجبه و مضى مع الراهب في طريقه و السعادة و البهجة تغمر نفسيهما.
|