هذه المقولة تنسب إلى فيلسوف التنوير الفرنسي (رينيه ديكارت) وقد أورد الرجل في كتابه (المقال على المنهج) أنه اتبع هذه النصيحة فارتاح ولم يريح، فقد لحقته مخابرات الكنيسة إلى السويد، حيث كان يدرس الملكة (كريستينا) ملكة السويد فسمموه بزرنيخ الفئران، فلما سلم الأمانة أشاع القصر الملكي أنه قضى نحبه بالتهاب الرئة من برد السويد الشديد! أما جاسوس البابا فقد رفض في لحظات نزع الجلبيروح عند ديكارت المسكين أن يتسلم منه الاعتراف الكهنوتي، على طريقة الكاثوليك في سكرات الموت، إنه يموت مخلص العقيدة على التثليث والمصلبة، وفضل أن يرسل روحه فورا بالبريد المضمون إلى الجحيم. كان ذنب ديكارت حسب الروايات الحديثة التي ظهرت عن ظروف موته أنه كان يقول لجاسوس البابا في نقاشات مفتوحة، في غلط مفضوح منه، وهو الذي أوصى بالاحتراز والاحتراس أثناء النطق، لما تكلف العبارات من عبرات! كان يقول له أنا لا أستطيع أن أتصور أن من (يُعَمَّد) ويأكل خبز القربان وخمره، أن يتحول الخمر الى دم المسيح، والخبز إلى عظام المسيح وفقراته وغضاريفه؟ إنها رموز لا أكثر يا هذا؟ فكان جاسوس البابا يقول له إنك فاسد العقيدة حلال الدم! الكلمة مكلفة، ولذا فمن تكلم وجب أن يقول كلاما لا يوقظ نائما، ولا يزعج مستيقظاً، ولا يغضب مسؤولا، ولا يحرض مخبرا على كتابة تقرير سري. ولكن ليس كل مرة تسلم الجرة كما يقول المثل؟ هذه العبارة قرأتها في كتابه (المقال على المنهج Abhandlung ueber die Methode) ويروي أن منهجه في الوصول إلى الحقائق، جاءه في ليلة محمومة قريبا من مدينة أولم الألمانية (Ulm) في الجنوب، وحرب الثلاثين عاماً تعصف بألمانيا وتزهق أرواح ستة ملايين ونصف من أصل عشرين مليونا من السكان، بما يشبه الجينوسيد (التطهير العرقي Genocide) والمدينة أعرفها حيث درستُ اللغة الألمانية في معهد جوتة في مدينة صغيرة مجاورة اسمها الفلاح الصغير الأزرق (Blaubeuern) قبل أن أبدأ رحلة اختصاصي في الطب، فيما كان يعرف بألمانيا الغربية، واليوم لم يبق من أنقاض ألمانيا الشيوعية بعد اتحاد الألمانيتين سوى الذكرى المريرة من الاضطهاد وسحق الإنسان، وأصبحت أوروبا بالاتحاد الأوروبي بنعمة الله إخوانا، تضم 27 دولة يعيش فيها 450 مليونا من الأنام. يقول ديكارت ـ وهو محق بذلك ـ في ظروف الخوف، خاصة في جمهوريات الخوف والبطالة والديكتاتورية والتعصب والأوتوقراطية الخانقة، على المرء التقيد بقوانين بلاده، وأن يمارس حرفة الفكر سرا، نجاة من الاضطهاد وتكسير العظام والأسنان، كما خسرت أنا نابي بضربة بوكس وحشية في سالف الأيام! وفي علم السياسة ينطبق هذا القانون تماما كما روى (روبرت غرين) في كتابه (شطرنج القوة) ونشرته مترجما مؤسسة العبيكان في السعودية بعنوان (كيف تمسك بزمام القوة؟). وهو كتاب تعرفت عليه باللغة الألمانية فقرأته وتمتعت بقراءته، ثم وقعت في يدي الترجمة باللغة العربية، فزادت متعتي أضعافا، بفعل الترجمة الجيدة التي قام بها (البجيرمي)، والكتاب جدير بالاقتناء، وكان سر تعرفي عليه بحث عكف عليه عشرة من الباحثين في مجلة در شبيجل (Der Spiegel) وكانت المقالة من أجود ماقرأت عن آليات السيطرة والانصياع، ولا يوازيها في جودة التحليل إلا كتاب (العبودية المختارة) لـ (أتيين دي لابواسيه)، وقد استفاد الحلبي (عبد الرحمن الكواكبي) من أفكار الثورة الفرنسية فكتب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) وعلى هذا النحو ألف إمام عبدالفتاح إمام كتاب (الطاغية) متتبعا لعنة الديكتاتورية والطغيان عبر التاريخ. وقد جاء في كتاب روبرت غرين "48 قاعدة للعبة القوة" ما يذكِّر بلعبة الشطرنج، وهي قواعد جديرة بتناولها للقراء، قد أكتبها أنا في 48 عمودا مستقلا يختصر كل عمود أهم أفكار القاعدة، وقد بدأ روبرت غرين أولى قواعده بقاعدة "عاش سعيدا من بقي في الظل"، تحت عنوان (القاعدة الأولى: لا تلمع أكثر من سيدك؟). ويحكي قصة عجيبة عن وزير المالية فوكييه، الذي عاصر الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الشاب الملقب بملك الشمس، حين افتتح، أي الوزير، قصرا عظيما له، بحضور الملك شخصيا، جهلا منه بقواعد اللعبة بالظهور والافتخار بدلا من السكون والاستتار، حيث لمع في تلك الليلة أكثر من الملك، مما كلفه أن اعتقل في اليوم التالي بتهمة الفساد، كما قتل الحوراني الزعبي المسكين و(أوفقير) التعيس بنفس التهمة وشاع خبر انتحارهما! وهي قصص مكررة مضحكة في التاريخ، وهذا ما كان مصير وزير المالية الفرنسي حيث نام هانئ البال في قصره ليلة يتيمة وحيدة، أما ما تبقي من حياته فنام في زنزانة مفردة في جبال البيرنيه يتذكر الأيام الخوالي، ويزدرد قصصا جميلة عن الحسناوات والمال والشهرة خالية الوفاض! "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا".
|